السيد عباس علي الموسوي

321

شرح نهج البلاغة

إن هذا الطريق فيه الكثير من المشقات والأتعاب وكما يقول أمير المؤمنين : « حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات » . فالطريق إلى الجنة يحتوي الكثير من المزالق التي قد تزل فيها الأقدام وتضل العقول . . . فهناك هذه النفس التي تمني الإنسان وتدفعه إلى ما تشتهيه وإن كان مخالفا لأمر اللّه ونهيه فهي قد تلح عليه بشدة وقوة ، وقد يصل فيه الأمر إلى أن يصبح عبدا لها تتحكم فيه كما تشاء ، توجهه إلى الضلال والانحراف وإلى الميوعة والفساد . . . قد تزين له القبيح بعد أن تلبسه ثوب الحسن والجمال . إنها تخلق له الأعذار وتصطنع له المبررات وتدفعه إلى اقتحام الحرام . . . إن هذه النفس إذا لم تروض على الطاعة ولم تؤخذ بالتربية الصالحة والرياضة الروحية المستقيمة ، إذا لم يحاسبها الإنسان ويوقفها عند كل فعل ويعودها على قبول الحق مهما كان صعبا وشاقا ، فلا محالة تقتحم به اقتحام الفرس الجموح التي فقد راكبها زمامها فأضحت تجري به كما تشاء . إن هذه النفس إذا فسدت استسهلت المعصية واستهانت بالمقدسات . إنها تفقد الحياء فتخرج عارية داعرة دون خجل . وما تلك الصور المتحركة في عالمنا إلا نموذج حي لهذا القول . أدر طرفك في المنزل فترى المحرمات منتشرة ، وعرّج به إلى الشارع ، وأبصر العري بين النساء ، فلا خوف من اللّه ، ولا استعداد لحسابه . . . وهكذا في جميع الزوايا تجد المنكرات منتشرة والفساد لا تخلو منه بقعة . وإن المؤمن في هذا الجو الموبوء والمضطرب وفي هذه الأزمنة الداعرة والفاسدة يجد نفسه في ضيق لا مثيل له ، وتصدق أعلام النبوة الكريمة القائلة : « يأتي زمان على أمتي القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر » ، فإن المؤمن في زماننا إذا استمسك بدينه وأبى التنازل عنه ولو في حكم واحد أخذته التهم من كل جانب ، ولاكته الألسن من كل طرف . فإذا رفض التعامل مع الظالمين قالوا فيه : إنه لا يلاحظ مصلحة المسلمين ، وإذا لم يتعاون مع المنحرفين والمفسدين قالوا : لا علم له بالسياسة ، وإذا لم يكذب ويماري قالوا : إنه لا يعرف كيف يداري الناس ويستفيد منهم ، وإذا عبس في وجه الفسقة والعصاة قالوا : إنه جلف قاس . وهكذا تتوالى عليه التهم وتتدفق الشتائم وعندها يأتي الزلزال الشديد لهذه النفس البشرية ويأتي الامتحان القاسي . فإن كان الإيمان ثابتا بقي مستمرا في شوطه دون أن تأخذ هذه التهم والشتائم منه شيئا ، بل يزداد تمسكا بموقفه وإصرارا على رأيه حتى يلقى اللّه فيوفيه أجر الصابرين . وأما إذا كان الإيمان ضعيفا فتراه يتهاوى امام هذه التهم ، تراه يخور ويتراخى ويتراجع عن كثير من معتقداته ومواقفه ، يستسلم للواقع بدلا من الوقوف في وجهه ومحاولة تغييره . وكثيرون هم الذين يمثلون الموقف الثاني حتى من أصحاب الشعارات والدعايات . وقد رأينا هذا النموذج في حياتنا بكثرة ورأينا التراجعات والتنازلات عن